أبي حيان الأندلسي

32

تفسير البحر المحيط

اعتقد زيادة السين آخراً كسين قدموس وضغبوس وعرفاس ، فيمكن لكنه ليس من مواضع زيادة السين المقيسة والتقييد بقوله : * ( الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ) * أي وقت كيلكم على سبيل التأكيد ، وأن لا يتأخر إلايفاء بأن يكيل به بنقصان مّا ثم يوفيه بعد فلا يتأخر الإيفاء عن وقت الكيل . * ( ذالِكَ خَيْرٌ ) * أي الإيفاء والوزن لأن فيه تطييب النفوس بالاتسام بالعدل والإيصال للحق * ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) * أي عاقبة ، إذ لا يبقى على الموفى والوازن تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهو من المآل وهو المرجع كما قال : خير مرداً ، خير عقباً ، خير أملاً وإنما كانت عاقبته أحسن لأنه اشتهر بالأحتراز عن التطفيف ، فعوِّل عليه في المعاملات ومالت القلوب إليه . * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِى الاْرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الاْرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذالِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا * ذالِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ) * . لما أمر تعالى بثلاثة أشياء ، الإيفاء بالعهد ، والإيفاء بالكيل ، والوزن بالقسطاس المستقيم أتبع ذلك بثلاثة أمّناه : * ( وَلاَ تَقْفُ ) * * ( وَلاَ تَمْشِ ) * * ( * ولا تجعل ) * . ومعنى * ( تَأْوِيلاً وَلاَ تَقْفُ ) * لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل ، نهى أن نقول ما لا نعلم وأن نعمل بما لا نعلم ، ويدخل فيه النهي عن اتباع التقليد لأنه اتباع بما لا يعلم صحته . وقال ابن عباس : معناه لا ترم أحداً بما لا تعلم . وقال قتادة لا تقل رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه . وقال محمد بن الحنيفة : لا تشهد بالزور . وقال ابن عطية : ولا تقل لكنها كلمة تستعمل في القذف والعضه انتهى . وفي الحديث : ( من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ) . وقال في الحديث أيضاً : ( نحن بنو النضر بن كنانة لا تقفو منا ولا ننتفي من أبينا ) . ومنه قول النابغة الجعدي : * ومثل الدمى شم العرانين ساكن * بهنّ الحيا لا يتبعن التقافيا * وقال الكميت * فلا أرمي البريء بغير ذنب * ولا أقفو الحواضن إن قفينا * وحاصل هذا أنه نهى عن اتباع ما لا يكون معلوماً ، وهذه قضية كلية تندرج تحتها أنواع . قال الزمخشري : وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح لأن ذلك نوع من العلم ، وقد أقام الشرع غالب الظنّ مقام العلم وأمر بالعمل به انتهى . وقرأ الجمهور : * ( وَلاَ تَقْفُ ) * بحذف الواو للجزم مضارع قفا . وقرأ زيد بن عليّ ولا تقفو بإثبات الواو . كما قال الشاعر : * هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ولم تدع